الشيخ محمد حسين الحائري

329

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

الرذيلة المفاضة عليها لأهليتها لذلك والمخلوق من الطينتين يأتي بما يناسبهما من الافعال كما مر باختياره وعلى هذا البيان ينزل ما ورد في ولد الزنا من أنه يدخل النار وأنه لا يكون إلا مبغضا لأهل البيت عليهم السلام ومثله ما ورد في ولد الحيض فإن المراد أنه يدخل النار بأعماله التي تصدر عنه باختياره وأما وجود البغض المذكور فيه فهو وإن كان في أول الأمر اضطراريا إلا أنه لما مكن من رفعه وقلبه بالمحبة الواجبة بالمجاهدات الشرعية فهو معاقب على تقصيره في ذلك وكذا الكلام في سائر الأخلاق الرذيلة التي توجد في سائر المكلفين كالبخل والحسد والكبر وغيرها فإنها قد تكون بحسب مبدأ حصولها فيهم بطريق الاضطرار إلا أنهم قد مكنوا من رفعها بالمجاهدة ولهذا قد يجاهد صاحب الأخلاق الرذيلة في رفعها فيجرد نفسه عنها وكما أن الأخلاق الرذيلة مما يمكن سلبها بالمجاهدة كذلك الأخلاق الجميلة يمكن سلبها بالمجاهدة وكما أن صاحب الأخلاق الرذيلة مأمور بسلبها عن نفسه وقد يستحق العقوبة على التقصير في ذلك كذلك صاحب الأخلاق الجميلة مأمور بالمحافظة عليها فيؤجر عليها ولو مات صاحب الملكة الرذيلة قبل تمكنه من إزالتها كان معذورا في ترك إزالتها إلا أنه غير معذور في العمل بمقتضاها لعدم اضطراره إليه ثم المراد باستعداد الذوات لما يفاض عليها من الملكات أن لها من جهة كونها تلك الذوات أهلية تلك الإفاضة بمقتضى قانون الحكمة لا أنه لا يمكن إفاضة غيرها عليها فاستناد هذا الاستعداد إلى الذات كاستناد الفردية إلى الثلاثة والزوجية إلى الأربعة فلا يعلل بأمر غير الذات ولما كانت الذوات معلومة له تعالى بما لها من الاستعدادات وكانت الحكمة قاضية بإيجادها أوجدها وأعطاها ما كانت طالبة بلسان الاستعداد فإن كل شئ عنده بمقدار روايتكم من كل ما سألتموه ولا فرق في هذا البيان بين أن نقول بأن المجعول بالأصالة هو الوجود أو الماهية إذ على الأول يكون الوجود الخاص المحدود بالحدود الخاصة مستعد الإفاضة ملكاته عليه وعلى الثاني يكون الماهية الخاصة كذلك وهذا النوع من الاستعداد ينبغي أن يسمى بالاستعداد الذاتي والاستعداد الأولي الثاني اختلاف الادراكات والملكات والأحوال المكتسبة بواسطة الأعمال ويرجع سلسلة استنادها إلى استعداد الذاتي ويعرف بعض الكلام في هذا مما مر في سابقه وينبغي أن يسمى هذا النوع من الاستعداد بالاستعداد الكسبي والثانوي ومن هذا الباب زيادة الهدى في حق المؤمن وربط قلبه وتثبيته ونحوها المشار إليها في قوله تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقوله تعالى ومن يؤمن بالله يهد قلبه وقوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وأما قوله تعالى وهو الذي حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فيمكن أن يكون منشأه هذا النوع من الاستعداد والاستعداد الذاتي وكذلك من هذا الباب الطبع في حق الكافر وأشباهه المشار إليها في قوله تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم وقوله تعالى وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم وقوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم وقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله تعالى جعلنا قلوبهم قاسية وقوله جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وقوله جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وقوله إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم إلى غير ذلك وأما ما أشير إليه في قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون فالظاهر أن منشأه الاستعداد الذاتي واعلم أن الدواعي وما يستند إليه من الادراكات والملكات والأحوال بكل نوعيها المتقدمين وإن كانت شرائط لصدور الافعال من النفس إلا أن لها عند التحقيق نوع إعداد لها في صدور الافعال التي تناسبها منها على وجه الاختيار فما كان منها معدا لصدور الخير يسمى إنعام العبد به بدون إعطائه ما يعارضه توفيقا وهو تفضله تعالى على العبد زائدا على القدر المعتبر في صحة تكليفه بما يصدر منه معه الطاعة وعمل الخير وقد يسمى تأييدا أو هداية قال الله تعالى وأيدهم بروح منه وقال لعيسى بن مريم إذ أيدتك بروح القدس وقال لنبيه صلى الله عليه وآله إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وتخصيص البعض به لاختصاص الأهلية بهم كما يدل عليه برهان الحكمة وامتناع الترجيح من غير مرجح قال الله تعالى وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ويختلف مراتبه باختلاف مراتب الأهلية كما قال تعالى في حق أنبيائه ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وقال في حق ملائكته وما منا إلا له مقام معلوم وما كان منها معدا لصدور الشر يسمى إعطاؤه بدون الانعام عليه بما يعارضه خذلانا واستدراجا قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وقال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وتوضيح ذلك أن النفس منبع الشرور والشهوات كما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي فإن تركت بحالها لم يصدر منها باختيارها إلا القبائح والمعاصي وإن أنعم عليها بما يعارض به دواعيها وشهواتها سلمت من مفاسدها قال تعالى لنبيه ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا وقال ولولا فضل الله عليكم ما زكا منكم من أحد أبدا وقال الصادق لعمرو بن حريث حين عرض عليه دينه فأقره